ابن أبي الحديد
201
شرح نهج البلاغة
فإن ادعى مدع أن الوصلة هي الهواء ، فعن ذلك أجوبة : أحدها : أن الهواء لا يجوز أن يكون وصلة وآلة في الحركات الشديدة وحمل الأثقال ، لا سيما إذا لم يتموج . والثاني : أنه كان يجب أن نحس بذلك ، ونعلم أن الهواء يحركنا ويصرفنا ، كما نعلم في الجسم إذا حركنا وصرفنا بآلة موضع تحريكه لنا بتلك الآلة . والثالث : أن في الافعال الحادثة فينا ما لا يجوز أن يفعل بآلة ، ولا يتولد عن سبب ، كالإرادات والاعتقادات ونحوها . وقد دلل أصحابنا أيضا على إبطال كون الكواكب فاعلة للأفعال فينا ، بأن ذلك يقتضى سقوط الأمر والنهي ، والمدح والذم ، ويلزمهم ما يلزم المجبرة ، وهذا الوجه يبطل كون الكواكب فاعلة ، فينا بالايجاب ، كما يبطل كونها فاعلة بالاختيار . وأما القول بأنها أمارات على ما يحدث ويتجدد ، فيمكن أن ينصر بأن يقال : لم لا يجوز أن يكون الله تعالى أجرى العادة ، بأن يفعل أفعالا مخصوصة عند طلوع كوكب أو غروبه أو اتصاله بكوكب آخر . والكلام على ذلك بأن يقال : هذا غير ممتنع لو ثبت سمع مقطوع به يقتضى ذلك ، فإن هذا مما لا بعلم بالعقل . فإن قالوا : نعلم بالتجربة . قيل لهم : التجربة إنما تكون حجة إذا استمرت واطردت ، وأنتم خطؤكم فيما تحكمون به أكثر من صوابكم ، فهلا نسبتم الصواب الذي يقع منكم إلى يقع الاتفاق التخمين ! فقد رأينا من أصحاب الزرق ( 1 ) والتخمين من يصيب أكثر مما يصيب المنجم ، وهو من غير أصل صحيح ولا قاعدة معتمدة ، ومتى قلتم : إنما أخطأ المنجم لغطه في تسيير الكواكب ،
--> ( 1 ) الزرق : التفرس .